عبد الرحمن بدوي

212

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

الجزء بعد الجزء ؛ ولست أقول إن كل ما وصل إلى الفلك واصل إلى عالم العوالم ، بل يصل الصفو دون الشوائب . قال أفلاطون : وأحدثت الطبيعة فيها أعضاء التناسل - إلى أن قال : وإن كان به الفعل الخسيس الطبيعي فإنه يولد ما يحدث منه . قال أحمد : يقول إن هذا العضو من أحداث الطبيعة ؛ ويقول إنه وإن كان بهذا العضو الفعل الرذل الطبيعي فإنه يتولّد به الحيوان الذي يحدث منه القوى إلى العلو ، فيكون أحد الأسباب المؤدية إلى المراد . قال أفلاطون : وسكن الموضع الأرفع وأبعد النفس حتى أقامه في المعاطف في عضو نفيس كالشعلة أقامها على تدبير مخلص بها - إلى أن قال : فالطبيعة أيضا تحتال . قال أحمد : الموضع الأرفع الدماغ مسكن العقل ؛ وإنه لما صار الدماغ مسكن العقل صار القلب مسكن النفس ، والقلب كما ذكر الفيلسوف على صورة الشعلة مستغلظة الأسفل مستدقة الأعلى ، والدم يحويه أيضا على هذه الصورة ؛ فأقام العقل في هذا العضو مدبرا للنفس معينا لها على التخلص . وقوله : إن الطبيعة تحتال فالطبيعة محتاجة تطلب النفس وتتشبث بها وتحتال فيما تستمكن به منها . فكل أثر يكون من الإنسان يشاكل العقل فإنه معين للنفس [ 28 ب ] على التخلص ، وما شاكل الطبيعة فإنه يزيد في الانغماس . قال أفلاطون : وتستفعل النفس الطبيعة ، فما ضعف انقاد . قال أحمد : كما يدبر العقل التدبيرات في خلاص النفس ، كذلك تحتال الطبيعة في التشبّث بها . وإن كان غير مستحكم القوة أو كان قريب العهد بالخلاص من الطبيعة الحاسّية فإن الطبيعة يستفعلها الفعل المشاكل لتقوى بها على الربط . قال أفلاطون : ودبّر المدبّر الحيوان بأن جعله متصلا بالعالم العلوي ليكون الحادث منه . قال أحمد : إن الحيوان والنسم « 1 » المربوطة قد اتصلت بالفلك ، فلذلك تحركاته - أعنى

--> ( 1 ) ص : النسيم .